جلال الدين السيوطي

44

الإتقان في علوم القرآن

السادس : الالتفات ، قال الشيخ بهاء الدين السّبكيّ : لم أر من ذكر : هل هو حقيقة أو مجاز ؟ قال : وهو حقيقة حيث لم يكن معه تجريد . فصل فيما يوصف بأنه حقيقة ومجاز باعتبارين هو الموضوعات الشرعيّة ، كالصلاة والزكاة والصوم والحج ، فإنّها حقائق بالنظر إلى الشرع ، مجازات بالنظر إلى اللغة . فصل في الواسطة بين الحقيقة والمجاز قيل بها في ثلاثة أشياء : أحدها : اللّفظ قبل الاستعمال ، وهذا القسم مفقود في القرآن ، ويمكن أن يكون منه أوائل السّور على القول بأنّها للإشارة إلى الحروف التي يتركّب منها الكلام . ثانيها : الإعلام . ثالثها : اللفظ المستعمل في المشاكلة ، نحو : وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ [ آل عمران : 54 ] . وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [ الشورى : 40 ] . ذكر بعضهم أنه واسطة بين الحقيقة والمجاز ، قال : لأنّه لم يوضع لما استعمل فيه ، فليس حقيقة ، ولا علاقة معتبرة فليس مجازا ، كذا في شرح بديعيّة ابن جابر لرفيقه . قلت : والذي يظهر : أنها مجاز ، والعلاقة المصاحبة . خاتمة : لهم مجاز المجاز ، وهو أن يجعل المجاز المأخوذ عن الحقيقة بمثابة الحقيقة بالنسبة إلى مجاز آخر ، فيتجوّز بالمجاز الأول عن الثاني لعلاقة بينهما ، كقوله تعالى : وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا [ البقرة : 235 ] فإنّه مجاز عن مجاز ، فإن الوطء تجوّز عنه بالسرّ لكونه لا يقع غالبا إلّا في السّرّ ، وتجوّز به عن العقد ، لأنه مسبّب عنه ، فالمصحّح للمجاز الأول الملازمة ، والثاني السببيّة ، والمعنى : لا تواعدوهنّ عقد نكاح . وكذا قوله : وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ [ المائدة : 5 ] فإنّ قوله لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ [ الصافات : 35 ] ، مجاز عن تصديق القلب بمدلول هذا اللفظ ، والعلاقة السببيّة ؛ لأنّ توحيد اللسان مسبّب عن توحيد الجنان ، والتعبير ب ( لا إله إلّا اللّه ) عن الوحدانية من مجاز التعبير بالقول عن المقول فيه . وجعل منه ابن السيد قوله : أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً [ الأعراف : 26 ] . فإن المنزّل عليهم ليس هو نفس اللباس ، بل الماء المنبت للزرع ، المتّخذ منه الغزل المنسوج منه اللباس .